لماذا تنوح الحمامات عند الفجر إدواردو ﮔاليانو

لماذا تنوح الحمامات عند الفجر
إدواردو ﮔاليانو
ترجمة: ياسر عبد الله
في ليلة ما ذهب زوجا حمام، ذكر وأنثى، إلى الرقص، قتل الذكرَ شخصٌ ما كان يحمل ضغينة ضده، كان الحفل مبهجًا ولم ترغب الأنثى في التوقف عن الاستمتاع بوقتها، قالت :”في الليل أغني وعند الصباح أنوح”، وحين أشرقت الشمس في الأفق ناحت.
ذلك ما أخبرتني به مالينا أﮔويلار، كانت جدتها قد أخبرتها بهذا الخبر، امرأة لها عينان رماديتان وأنف ذئبية، تسحر أحفادها ليلًا، أمام نيران موقد الفحم، بحكايات عن الأشباح التي تسكن البيوت والحناجر المشقوقة.
From Eduardo Galeano, days and nights of love and war, translated by Judith Brister, Pluto press (2000)
تم التنسيق باستخدام الخط الأميري الصادر حسب رخصة المشاع الإبداعي.
Advertisements
نُشِرت في بابل, حكايات العابدين | الوسوم: , , , , | أضف تعليق

عشر أطروحات عن طبيعة الميتاسرد جورج فراگوبولوس

عشر أطروحات عن طبيعة الميتاسرد (وعرض مُضمن –بين حاصرتين– لروايةسلبادور بلاسثنثيا[1] “ناس من ورق”)
جورج فراگوبولوس[2]
ترجمة : ياسر عبد الله
(تمت الترجمة في صيف 2009)
اقتباس من بورخس كملخص بسيط “من المقبول أن تظهر تلك الملاحظات في وقت ما، وربما في أوقات عدة، إن النقاش حول جدتها يهمني أقل ما تهمني حقيقتها المحتملة “.
( لنبدأ بـ … تورية ).
( I )
الميتاسرد هو كذبة مزدوجة، فكثير من قوة جماليات الرواية يكمن في طبيعتها المتناقضة، تقدم الرواية نفسها كخيال ملئ بالحيوية يقوده صدق محتمل مقنع، وتأخذ الرواية شكلها حقًا في رسم الخط الفاصل بين الحقيقة والخيال؛ الميتاسرد ببساطة هو الامتداد الطبيعي لهدف الرواية الأساسي، حكي خيالي يمكنه أن يكون مقنعًا لدرجة أن يخدعنا ونقبله كحقيقة.
( ” لقد خلقت هي بعد زمن الأضلاع والحمأ المسنون، بمرسوم بابوي لن يخلق بشر بعد الآن من التراب أو من نخاع العظام”.
من بين كل الأفكار السارة التي يطرحها سلبادور بلاسثنثيا في روايته  ناس من ورق The People of Paper ( 2005 )، لا أجد تورية أكثر إمتاعًا من تلك التورية الموحية في الجملة الثانية، تعرض لنا رواية بلاسثنثيا الميتاسردية عالمًا تحول عن قوة المراسيم البابوية إلى قوة الورق[3] التغييرية، عالم لم يعد مكونًا بعد الآن من إله يلهو، بل مكون من اللغة ذاتها، فهو عالم من صنعنا، إننا نحيا الآن في زمن المراسيم الورقية[4]).
(II) 
نحن نقع في حب الجزء الحكائي المكون للكذبة قبل أن نُعنى بإثبات حقيقة هذا الجزء الحكائي، وذلك ملمح أساسي لكل الميتاسرد.
مالرو : ” تحكي قصة قديمة أن سيمابو [5]Cimabue  تاه إعجابًا حين رأى الولد الراعي جيوتو Giotto  [6]، لكن طبقًا للروايات الحقيقية، لم يوح أبدًا الخروف لجيوتو بحب الرسم، بل كان ذلك عند رؤيته للمرة الأولى لوحات فنان كسيمابو”.
إن الميتافيزيقيين، سواء اتخذوا سمت الفنانين أو اللاهوتيين، دائمًا ما يعيرون انتباهًا  لتلك الأشياء التي يعرفون كذبها أكثر مما يعيرون للعالم الذي تمثله هذه القصص.
( إن ” هي ” المشار إليها في السطر الأول من الرواية هي إمرأة من ورق، حواء من زمننا، ميرسد دي بابل Merced de Papel، وهي من إبداع اول جراح أوريگامي في العالم، أنتونيو، وهو كفنانين كثيرين مصاب بحسرة الفقدان – في حالته ، موت قطته الحبيبة – تحول أنتونيو إلى الورق وقدراته المانحة للحياة ليداوي جرح قلبه، فيكتور فرانكشتين من زمننا، مكونًا ” ثلاثة عشر عضوًا مثاليًا من الورق والأوعية الدموية والشرايين من مناديل الورق ” ليبعث قطته الحبيبة من موتها.
ميرسد دي بابل، ابتكار آخر من ابتكارات أنتونيو، هي شخصية ثانوية في رواية بلاسثنثيا لكنها تعبر عن حقيقتها.
ميرسد دي بابل – التي عمدت باسمها ذلك من قبل ميرسد أخرى، فتاة صغيرة تخلت عنها أمها التي تحمل نفس اسمها (الميرسيدات والفقدان الذي يمثلن مضاعفاته في السرد، هو تقدير للنموذج المألوف للحضور والغياب عند جارثيا ماركيث)– هي تصور أتى للحياة لأنها هي الحياة، تقول هي ( ميرسد دي بابل ) : ” بعد أن تحسست ذراعيّ، قالت (ميرسد الصغيرة) إنني كنت دافئة ولم أكن مجرد لفة رطبة من جريدة الصنداي كما كانت قد توقعت”.
إنها ليست مصنوعة من الورق –ببساطة– لكن من الحياة التي يمثلها هذا الورق، ولسانها المجروح –قطعة الورق– الذي سيلوحه لاحقًا حبيب ميرسد دي بابل بعد محاولة كارثية لممارسة الجنس الفموي هو حقيقة بصورة مفزعة أيضًا.
” شق رامون باريتو Ramon Barreto لسانه بالطول وهو يحاول تذوق داخل ميرسد دي بابل، وترك بقعة موحلة من الأحمر المسود بين أفخاذها”، ويصعب إيجاد إستعارة أفضل عن اللغة التي تجرح العاشق والمعشوق معًا.)
( III )
لا تخدعنا الحقيقة أبدًا، تخدعنا فقط الأكاذيب التي نسجناها حول الحقيقة، تلك أيضًا إحدى حقائق الميتاسرد.
( يخلق بلاسثنثيا ما يمكن وصفه بعالم مابعد مسيحي، ” ناس من ورق ” هي أرض يباب مفروشة بالأيقونات والتيمات المسيحية، حتى ولو كانت تلك التيمات أخضعت لمعتقدات شكل آخر من التدين : السرد الميتاسردي.
يقدم بلاسثنثيا لنا عالم المؤلف كالإله، مصارعون مهزومون موصوفون عبر سجلات القديسين، أشخاص مصدومون بالحزن متورطون في جلد الذات لينسوا إحبائهم الضائعين، خاضعون للآلام البدنية ليهربوا من الآلام العاطفية، رهبان ساكبون للدمع تخلوا عن أديرتهم التي لم تعد تجدي نفعًا، ببساطة تحول الرب وطرقه تحولاً جذريًا، ولم يعد مألوفًا أو حتى ضروريًا، وذلك هو الحد الأقصى من موضوعة فرويد عن الخارق للطبيعة، تفسخت دعائم البيت وبدا غريبًا، وغدت الحقيقة ذاتها خيالاً مألوفًا وأصبح بإمكاننا أن نلمح خلف القماش المزركش البديع اليد التي غزلته على النول.)
( IV )
يعامل الميتاسرد اللغة كالشيء الأكثر قداسة، لكن تلك الأفكار تظل على تناقض مع أنه لا شيء مقدسًا حقًا بقى سوى الحكي، فالحكي Fiction هو آخر فعل لغوي مقدس نملكه، إن الميتاسرد يسعى لصنع كتبًا مقدسةً لعصر لا يريدها ولا يحتاج نصوصًا مثلها.
( بالنسبة لخلق أنتونيو لميرسد، من المهم ان نأخذ في الإعتبار الأوراق التي استخدمت لخلق اعضاءها وعظامها وكيانها.
” فسخ أنتونيو كعوب الكتب وقطع أوصال أوستن وثربانتس وأخذ أوراقًا من اللاويين والقضاة، مزج كله بصفحات من كتاب الضوء المتلألئ، وكانت هي الأولى التي صنعت على هذه الشاكلة : رجلاها من كروت المعايدة، وزائدتها الدودية من السيلوفان، وثدياها ورقيان، خلقت من قصاصات الورق لا من ضلع رجل.”
إن الأدب في طبيعته الحقيقية، هو ما جعل ميرسد ممكنة، وهو الذي يجعلنا ممكنين أيضًا).
( V  )
الميتاسرد هو ربما ما كان يعنيه نيتشه حين قال أنه يخشي ان نظل مؤمنين بالرب لاننا لا زلنا نملك قواعد النحو[7].
مات الرب، لكن فقط من ناحية واحدة، يمكننا القول، بأن الرب لم يعد قيل وقال مشترك يهمس من أذن لأخرى في دوائر إجتماعية، الرب الآن ثرثار مثالي، هو العبث الذي نسمعه في أكثر اللحظات خصوصية حين تواجهنا أشياء كالذات أو العالم في عالمنا ما بعد المسيحي، عالمنا الميتاسردي، صار الرب لغة، أو بعبارة أفضل، صار هو المنطق الخاص أكثر مماهو  القواعد النحوية المشتركة، قواعد لازالت تشكل العالم ولكن عالم مستوى خاص مجزأ.
( إن موقع بلاسثنثيا في الرواية يستحق الانتباه – إن الاسم الذي أعطاه لشخصيته القناع الشبيهة بالإله هو اسم ملزم بوضوح : ساتورن Saturn  (زُحل) وهو صاحب طابع عابس (زُحلي) saturnine، وتحكي الرواية كذلك عن علاقة المؤلف المنتهية مع امرأة تدعي ليز، امرأة  تعترض، في مجرى الأحداث، على رؤيته أحادية الجانب للقصة.
“كنت أنوي البقاء صامتة، تاركة إياك تكتب قصتك، لأدعك تكوّن تاريخك الشخصي كما ترغب، لكن هذه رواية، ولم يعد ذلك الأمر بيني وبينك فقط”.
إن ليز تحتج ليس فقط بخصوص ما يخصها في الرواية ولكن بخصوص كل القصص التي يقدمها بلاسثنثيا في سرده.
ومن أكثر الشخصيات التي تعلق بالذاكرة في الرواية، شخصية هامشية تدعى سمَيلي Smiley ، يحاول الإتصال بصانعه ليسأله عن دوره الهامشي في السرد الذي نقرأه، وسريعًا ما يصاب سميلي بالإحباط حين يعجز بلاسثنثيا عن إدراكه. لقد خذل سميلي إلههُ الشخصي، إن ساتورن، كما في لوحات جويا، هو عملاق يبيد أطفاله وأناسه الذين خلقهم من ورق).
( VI )
تقول جوان ديديون إننا نروي لأنفسنا القصص كي نحيا، ويضيف الميتاسرد تعديلاً طفيفًا لهذه العبارة، إننا نروي لأنفسنا الأكاذيب كي نحيا، الفارق طفيف لكنه ضروري، حسب اعتقادي، إننا نلتقط الحكي وراء الكذبة؛ يمكننا أن نعتبر مثل هذه الحقيقة مبالغ فيها، لكنها لا زالت تنتمي إلينا، ونحن ممتنون لوجودها.
(“ذلك الكتاب مجرد هراء، لا أحد يفكر بمثل هذه الطريقة ” قالت هي، وأزدادت هالتها إشعاعًا).
( VII )
لا يفرض الميتاسرد أي صيغة متعجرفة عن استثنائية البشر، إن العالم من لحم ودم لابسبب نزوله من السماوات ولكن بسبب وجوده داخلنا، فاللغة تحوز مادية وهيولية لا تؤخذ عادة في الإعتبار.
( حين التقى سميلي ببلاسثنثيا للمرة الأولى، أُحبط بكل الطرق، ليس فقط بسبب عدم ادراك خالقه له كأحد مخلوقاته، ولكن لأن وجود بلاسثنثيا الهيولي يفتقر لأي مظهر ألوهي.
“لكنني عندما جئت إلى ساتورن لم يكن في وعيه أبدًا، وحتى لم يتوقع قدومي، ولم يهتم أيضًا؛ لقد تخلى عن القصة وتخلى عن قدرته كسارد. وجدته نائمًا، مستلقيًا وعاريًا، كان راقدًا على بطنه وتحته أكياس الوسائد، أما الوسائد فقد كانت مرمية أمام الحائط”.
صانعونا معابون وعرضة لكربات الحب كما إننا كلنا معرضون، وما هو أسوأ، إنهم من لحم ودم، ملموسون مثلنا).
( VIII )
توني موريسون : “نموت، ربما كان ذلك هو معنى الحياة، لكننا نملك اللغة وربما كان ذلك هو مقياس حياتنا”.
هناك حقيقتان بشريتان فقط نعرفهما حق المعرفة، الموت والحياة، وعندما تواجهنا أي هاوية اخرى لأي طريق آخر، فنحن نملك اللغة.
( “وإلى ليز، التي علمتني أننا جميعًا من ورق”).
( IX )
نعيش لحظة تاريخية خرجت مباشرة من مقال لبورخيس “لماذا يزعجنا أن يكون دون كيخوته من قراء الكيخوته وهاملت من مشاهدي من مشاهدي هاملت ؟ إعتقد إني اكتشفت السبب: توحي هذه الانقلابات في الأوضاع بإنه إذا كان بوسع شخصيات عمل خيالي أن تصير قراءً او مشاهدين فسيكون بوسعنا، نحن قراءها أو مشاهديها أن نصير وهميين”[8].
وأود ان أعدل ذلك قليلاً، يعمل الميتاسرد من مركز يقين يُعَد عدم يقيننا مكون أساسي له.
إن كوننا نحن القراء والمشاهدين، وهميين، لا يجعلنا ببساطة نقبل إحتمالية كهذه، ولأطروحات كهذه هناك شك طفيف حول يقينية الميتاسرد.
( سميلي وكذلك ميرسد دي بابل، يمثل حقيقة الأمر حتى ولو كانت تلك الحقيقة على الهامش؛ الشخصيات الثانوية وحدها هي التي تعبر عما يدور سرد بلاسثنثيا بالفعل، وعندما تثور عصابة جامعي زهور المونتي، المونتي فلورس El Monte Flores، ال EMF، التي يقودها والد ميرسد الصغيرة، فيديريكو دي لا في Federico de la Fe، ( في Fe، هل هي تهتهة Feo ؟)، ضد ساتورن/بلاسثنثيا كي يحوذوا تحكمهم الكامل في قصصهم وحياتهم، يحاول سميلي تحقيق السلام بدلاً من الحرب، مع صانعه .
إن سميلي هو الفرد، وربما هو الفرد الوحيد، المدرك للطبيعة الخيالية للأمر، ولا يهتم بغير ذلك، يريد سميلي، مثلما نريد جميعًا، أن يرى كيف يتشكل الحكي، يوجد المشاهدون في الرواية في صورة ميرسد دي بابل وسميلي، لمشابهتهما لنا خلقًا وصورة).
( X )
ليس هناك أي قلق في الميتاسرد فيما يخص طبيعته الخيالية أبدًا، ليعرف كل منا أن الحكي هو حقيقة محررة، وربما هو الحقيقة الأخيرة.
كل القلق يكمن في أن الميتاسرد يناقش بنية السرد ويناقش ما سوف يحتويه ذلك السرد، لذا لاينتهي الميتاسرد أبدًا بجملة أخيرة لكنه يمضي بعد ذلك كما تمضي حياتنا، كل ذلك هناك وببساطة نستمع :
(“لن يكون هناك توابع للحزن”).
*تم التنسيق باستخدام الخط الأميري الصادر حسب رخصة المشاع الإبداعي


[1]سلبادور بلاسثنثيا Salvador Plascencia ( كاتب أمريكي ولد عام 1976 في وادي الحجارة بالمكسيك ، والرواية هي أول أعماله).
[2]جورج فراگوبولوس (يقيم في نيويورك، ويعد حاليًا رسالة الدكتوراة عن الشعرية الامريكية الحديثة).
[3]بالإسبانية papel     في الأصل، وفي الجملة جناس بين papal ( بابوي ) و papel  ( ورق بالاسبانية ).
[4]بالإسبانية papel في الأصل.
[5]سيمابو Cimabue: سيني دي بيبو (جيوفاني) سيمابو عاش مابين 1240 م وعام 1302 م، يعرف كذلك باسم بنشيفاني دي بيبو (بالإيطالية الحديثة بينفيتونو دي جيوسيبي) رسام إيطالي وفنان موزاييك فلورنسي.
[6]جيوتو (دي بوندوني) Giotto di bondone : رسام فلورنسي عاش مابين 1276 م وعام 1337 م.
[7]بالألمانية: “Ich fürchte, wir warden Gott nicht los, weil wir noch an die Grammatik glauben.”، والتي يمكن ترجمتها إلى “العقل في اللغة، آه ! يالها من عجوز خادعة،“أخشى ألاّ نستطيع أن نتخلص من إيماننا بالرب لأننا لا زلنا نؤمن بقواعد النحو  نيتشه، أفول الاصنام Götzendämmerung (العبارة المائلة هي ترجمة النص الألماني، أما ما ذكر قبلها فلم تذكر بالألمانية – المترجم .
[8]” سحر القصة داخل القصة في دون كيخوته “، مختارات الميتافيزيقا والفانتازيا، ترجمة خليل كلفت (الهيئة المصرية العامة للكتاب 2008) صـ 132.
نُشِرت في جوار بابل, حكايات العابدين | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

L’Illusion Comique خورخي لويس بورخس

L’Illusion Comique[1]

خورخي لويس بورخس

ترجمة: ياسر عبد الله

خلال سنوات الحمق والعار، تم تطبيق أساليب الدعايات التجارية وآداب البوابين[2] لحكم الجمهورية، هكذا كان هناك تاريخان، الأول ذو طبيعة إجرامية، مُكون من السجون، التعذيب، الدعارة، السرقة، القتل والحرق العَمد؛ الآخر له دور مسرحي، مُكون من الحكايات والقصص الخرافية المُعدة لاستهلاك المُغفلين، وغرض هذا المقال، دراسة أولية لذاك التاريخ الثاني، الذي ربما لا يقل إثارة للاشمئزاز عن الأول[3].

كرهت الديكتاتورية (ادّعت كراهية) الرأسمالية، لكنها، كما في روسيا، نسخت أساليبها، وأملت الأسماء والشعارات على الشعب بنفس المثابرة التي تفرض بها الشركات أمواس الحلاقة، السجائر أو الغسالات عليهم. هذه المثابرة، كما لا يجهل أحد، أدت إلى نتائج عكسية؛ فالإفراط في دُمى الديكتاتور جعل الكثيرون يشمئزون من الديكتاتور، لقد عبرنا من عالم الأفراد إلى العالم العاطفي للرموز؛ لم يكن الصدام بين أحزاب أو منافسين للديكتاتور، لكن بالأحرى كان بين أحزاب ومنافسين لدُمية أو لاسم … ما هو أكثر  طرافة كان إدارة السياسة تبعًا لقواعد الدراما أو الميلودراما.

في يوم 17 من أكتوبر (تشرين الأول)  1945[4] تم الادعاء إن كولونيل تم إلقاء القبض عليه وخطفه وأن الشعب أنقذه، لم يزعج أحد نفسه بالإعلان عن الخاطفين، أو عن كيفية التعرف على مكانه؛ ولم يكن هناك أية اتهامات قانونية موجهة ضد الاطراف المذنبة المحتملة؛ كذلك لم يتم الكشف عن أسماء المجرمين أو حتى تخمينها.

في غضون عشر سنوات، صار التمثيل أسوأ بكثير، مع الازدراء المتزايد لشكوك الواقعية المبتذلة. في صباح 31 من اغسطس (آب)[5] ادعى الكولونيل، صار ديكتاتور الآن، الاستقالة من الرئاسة؛ ولم يتم إعلان الاستقالة أمام الكونجرس، لكن أمام المكاتب التنفيذية لإتحادات عمالية، ليكون المشهد شعبويًا بجدارة.

لا أحد، حتى قواعد الإتحادات العمالية نفسها، يجهل إن غرض هذه المناورة كان لحث الشعب على ترجيه سحب استقالته، في حالة ما كان هناك أدنى شك في ذلك، قامت عصابات من أنصار الحزب، بمعونة الشرطة، بإغراق المدينة بصور شخصية للديكتاتور وامرأته. بلا حماس، تجمعت الحشود في ساحة مايو[6]، حيث أذاعت محطة الإذاعة الرسمية خطبًا حماسية لكي لا يغادر أحد وقطع موسيقية لتلطيف الضجر، وقبل حلول الليل، أطل الديكتاتور من شرفة البيت الوردي[7].

كان، كما هو متوقع، محتفى به، لكنه نسى أن يتخل عن تخليه، أو ربما لم يفعل ذلك لأن الجميع عرفوا أنه سيفعل ذلك، وسيكون سمجًا لو أصر على تنحيه، لكنه طالب، رغم ذلك، بمذبحة دون تمييز لكل خصومه، واحتفت الحشود بذلك.

لكن لم يحدث شيء في تلك الليلة، عرف الجميع (ربما، ما عدا، الخطيب) أو أحسوا كما لو كان مشهدًا مسرحيًا، حدث نفس الشيء، بدرجة أقل، مع حرق العلم[8]، لقد قيل إن ذلك كان من عمل الكاثوليكيين، تم تصوير العلم المُهان وعرضه، وكأن سارية العلم نفسها لم تكن كافية للعرض، فاختاروا أقل الثقوب تواضعًا في منتصف الرمز، ومن غير المجدي تعديد الأمثلة؛ يمكن للمرء فقط أن يدين إزداوجية قصص النظام السابق الخيالية، التي ما كان لها أن تُصدق وصُدقت.

سيُقال أن افتقار العامة للتعقيد كافيًا لشرح التناقض؛ لكني أعتقد إن التفسير أكثر عمقًا، تحدث كولِريج عن كون “التعطيل الطوعي للإنكار” المكون الأساسي للشِعرية، وقال صامويل جونسون، دفاعًا عن شكسبير، إن المشاهد لتراجيديا لا يصدق إنهم في الأسكندرية في الفصل الأول وفي روما في الفصل الثاني، لكنه يخضع للذة القص الخيالي، بصورة مشابهة، فإن أكاذيب الديكتاتورية لا تُصدق ولا تُكذب، بل تنتمي لخطة وسيطة، غرضها إخفاء أو تبرير الوقائع الحقيرة والفظيعة، إنها تنتمي للمثير للشفقة والحساسية الخرقاء، من المُبهج، إنه لوضوح وأمن الأرجنتينيين، فهم النظام الحالي إن مهمة الحكومة ليست إثارة الشفقة.

 

Jorge Luis Borges, SELECTED NON-FICTIONS, EDITED BY Eliot Weinberger, TRANSLATED BY Esther Allen, Suzanne Jill Levine, and Eliot Weinberger, Viking Penguin, 1999, p 409-410.


[1] “الإيهام المسرحي”، عنوان مسرحية لبيير كورني (1606-1684)، بالفرنسية في الأصل الإسباني.

[2] la litérature pour concierges، بالفرنسية في الأصل.

[3] على الرغم إن المقال مخصص لإبداء استنكار بورخس لأساليب نظام خوان پيرون المبتذلة من وجهة نظره، فإنه لا يذكر پيرون بالاسم ويكتفي بالإشارة إليه مرة ككولونيل ومرة كديكتاتور.

[4] يوم الولاء كما يُعرف في الأرجنتين، ويُوافق ذكرى خروج مظاهرة عمالية ضخمة إلى ساحة مايو للمُطالبة بالإفراج عن الكولونيل خوان پيرون (1895-1974)، الذي كان سجينًا في جزيرة مارتين گارسيا، ويُعد ذلك اليوم بمثابة تأسيسًا للپيرونية.

[5] في 31 أغسطس (آب) 1955، عرض خوان پيرون استقالته من منصبه للحفاظ على السلم الداخلي في الأرجنتين، وأدى ذلك العرض إلى خروج مظاهرات جماهيرية تطالبه بعدم التنحي، ولم يمنع ذلك من الإطاحة به في إنقلاب عسكري، مدعومًا بمعارضة مدنية، سُمي بثورة التحرير في 16 سبتمبر (أيلول) 1955.

[6] Plaza de mayo، من أهم ميادين بيونس آيرس، ولكونه المسرح الرئيس لثورة 25 مايو (آيار) 1810 التي أدت للاستقلال، يُعد المشهد الرئيس لكثير من الفعاليات السياسية في الأرجنتين.

[7] Casa rosada، البيت الوردي مقر السلطة التنفيذية ومكتب الرئيس الأرجنيتيني، ويقع في شرق ساحة مايو.

[8] في مايو (آيار) 1955، بعد مُظاهرة لأنصار الكنيسة الكاثوليكية أنزلت العلم الأرجنتيني من ساريته في ساحة مايو واستبدلته بالعلم البابوي، ظهر وزير الداخلية والزعيم العمالي آنخل برلونگي في حشد من أنصار الپيرونية، ووقف في شُرفة البيت الوردي مُلوحًا ببقايا علم محترق ادّعى أن أنصار الكنيسة الكاثوليكية قاموا بإحراقه. ( “Don’t Cry For Me, Argentina” — The Tumultuous Times of Juan and Evita Peron)

نُشِرت في جوار بابل, حكايات العابدين | الوسوم: , , , , | أضف تعليق

القرية المجاورة لفرانتس كافكا (نص واحد وأربع ترجمات)

القرية المجاورة


فرانتس كافكا
ترجمة: ياسر عبد الله
·        الترجمة الأولى (لغة عربية):
اعتاد جدي أن يقول :” الحياة قصيرة بصورة مذهلة، إنها تزحم رأسي الآن بذكرياتها حتى أنني بالكاد أتصور كيف يقرر شاب، مثلاً، ركوب فرسه حتى القرية المجاورة دون خوف – بغض النظر عن الحوادث الأليمة – فحتى مدة الحياة العادية المليئة بالسعادة لا تكفي مثل هذه الرحلة.”
·        الترجمة الثانية (عامية مصرية):
كان جدي بيقول دايمًا إن الحياة قصيرة جدًا، لدرجة إنه لما بيرجع يفكر فيها بيستغرب إزاي واحد ممكن يركب حصانه وينوي يسافر من قرية لقرية جنبها، دا حتى الحياة العادية الحلوة، اللي من غير مشاكل أو بلاوي، ما تكفيش الواحد يوصل ويكمل رحلته.
·        الترجمة الثالثة (شعر حر):
اعتاد جدي حديثًا
– ولا أدري إن كان صدقًا
أم أن جدي اعتاد الكذب-
كان يقول “يا بُني
الحياة قصيرة لدرجة تثير العجب
وحين تنتابني أفكار الحياة
وتزاحم عقلي الذكريات والحوادث وصور الحياة
أعجبُ من فارسٍ
يسرج فرسًا وينتوي السفر
من قرية إلى قرية مجاورة
فالحياة الحلوة يا بُني
حتى دون أمراض أو مصائب أو خطب جلل
لا تكفي فارسًا لاتمام رحلته
الحياة الحلوة يا ولدي
لا تكفي فارسًا للوصول إلى قرية مجاورة”
·        الترجمة الرابعة (موال صعيدي أعرج):
كان جدي دايمًا يقول
وكان له في الحياة ألف قول وقول
أنا عشت الدنيا التقيتها قصيرة
قستها بعرضها وقستها بالطول
وبالطول وبالعرض بتجيني أفكار
تملاني زي ما بين السما والأرض
وتزاحم على قلبي واتعجب
كيف يسايس فارس حصانه ويركبه
ويترك بلده وناسه ومذهبه
وينوي يروح بلد جار بلد داره ومركبه
من غير ما يخاف ولا يهاب ولا يرهب
دا حتى الحياة وهي حلوة وصحيحة
وبدون ما تصيبك علة وبدون ما تجيك فضيحة
حتى وهي مليحة  برضه قصيرة ما بتكفيش
تطلع بفرسك وتوصل من جيهة لجيهة.


[1] نشرت أقصوصة “القرية المجاورة” في المجموع القصصي (طبيب القرية) الذي قام كافكا بنشره في عام 1919، تنتمي الأقصوصة إلى النصوص القصيرة جدًا أو المنمنمات التي ميزت مجموع كافكا القصصي الأول (تأملات) المنشور في عام 1913، وتميز بها كافكا كقاص قصير متمكن، وهي الصورة التي أحب أن ينشر نصوصه بها وهو حي، على عكس الروايات التي نشرت كلها بعد موته وبإشراف ماكس برود، ويرجع الفضل لماكس برود في تغييب وتجهيل الرأي العام السائد عن كافكا وتصويره كروائي كابوسي لا كقاص قصير متمكن من ألعابه، ومن رواد المنمنمات أو القصص القصيرة جدًا، يرى بورخس في مقاله عن كافكا وأسلافه إن الأقصوصة تردد صدى معضلة أخيل والسلحفاة، ويراها عبد الغفار مكاوي في (ثورة الشعر الحديث) مشابهة لقصيدة لوركا (أنشوة الفارس) التي تردد جملة “إلى قرطبة أبدًا لن أصل”.
* تم التنسيق باستخدام الخط الأميري الصادر حسب رخصة المشاع الإبداعي.
نُشِرت في بابل, تلاوات الكهان, حكايات العابدين | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

انطباعات عن العِمارة گي ديبور

انطباعات عن العِمارة
ترجمة: ياسر عبد الله
1
مشكلة العِمارة ليست في رؤيتها من الخارج أو في الحياة داخلها، بل في العلاقة الجدلية بين ما هو داخلي-خارجي، على مستوى العِمران (شوارع-منازل) وعلى مستوى المنزل (داخلي-خارجي).
2
تحدد كل واجهات المنزل “مساحة فارغة” وظيفتها اللعب على التناقض فتح – غلق.
3
اقم مدينة كاملة لتمارس الحب فيها مع فتاة وحيدة لبضعة أيام.
4
يقلب مفهوم “حجرة الشارع” (عند هـ . أُ.)[1] التفرقة الوهمية ما بين الأوساط المفتوحة والمغلقة، فالوسط المغلق ذاته يصب في الوسط المفتوح (الذي بدوره يرسم حدود الأوساط المغلقة).
أمستردام، 29 مايو (أيار) – 2 يونيو (حزيران) 1959


أدين باكتشاف النص إلى الصديق حسين الحاج.
ترجمة عن الإنگليزية.
* تم تنسيق النص باستخدام الخط الأميري الصادر حسب رخصة المشاع الإبداعي.
** في النص العربي تقوم الگاف الفارسية مقام حرف الـ G أو الجيم القاهرية.
[1] هار أودِيانز Har Oudejans:  معماري هولندي انضم للأممية المواقفية في عام 1959 وطُرد في العام التالي لموافقته على بناء كنيسة.
نُشِرت في فضاء بابل, تقاويم العلماء, جوار بابل | الوسوم: , , , , | أضف تعليق

مزيد من الملاحظات حول قارئ مثالي قارئ عن القراءة كتاب ألبرتو مانگويل

مزيد من الملاحظات حول قارئ مثالي
قارئ عن القراءة
كتاب ألبرتو مانگويل
عرض ستيڤ دونگيو[1]


a-reader-on-reading


ترجمة : ياسر عبد الله

(تمت الترجمة في يونيو (حزيران) 2010، ولم يُنشر من قبل)
عن مجلة   Quarterly Conversation
كتاب ألبرتو مانگويل Alberto Manguel، (قارئ عن القراءة) هو في الواقع  تجميع كتابات سابقة للكاتب – محاضرات، كتابات صحفية، مقالات ملحق نيويورك بوك ريفيو-  مُجمعة معًا طبقًا لافتراضين متلازمين أولهما أن أغلب القراء من المحتمل ألا يكونوا قد اطلعوا على هذه الكتابات حين ظهرت في مصادرها الأصلية وثانيهما أن كتب أكثر لمانگويل أفضل من كتب أقل لمانگويل.
كلا الافتراضين صحيحين للأسف، فكثير من تلك الكتابات كانت عبارة عن خطابات ألقيت في مؤتمرات، ومقالات صغيرة تمت كتابتها لدوريات محدودة التوزيع، وفي صورة كتاب بلا شك ستصل تلك الكتابات إلى مساحة أوسع من القراء، وأكثر  تقديرًا لقيمتها، وبجمعها معًا تشكل تلك المجموعة من الكتابات كتابًا جميلاً ومتنوعًا لكن لا يمكنه (وربما لا يعنيه كذلك) إخفاء حقيقة إنه عمل جزئي، حيث لا زال الأمر بحاجة لعمل موسع، وذلك ما قد قامت به مؤلفات سابقة لمانغويل وبخاصة كتابه الصادر عام 1998(عبر غابة المرآة) وهو الكتاب الذي يتشارك مع الكتاب الحالي في الهوس الشامل بآليس في بلاد العجائب.
لأكن صادقًا، فذلك الهوس، ومانگويل بعيدًا عن أن يكون  الكاتب الوحيد الذي يعاني منه، كثيرًا ما عانيت أنا منه كتسعة أعشار قصاصات من الورق الملصوق جنبًا إلى جنب، في مقابل كل قارئ يريد بالفعل أن يزعج نفسه بتعلم الخصائص المميزة والأفكار الموجودة في عمل لويس كارول الشهير غير المخصص للأطفال، الرمزي الساخر، فهناك خمسون آخرون بدلاً من ذلك يستمتعون افتراضًا بأي اقتباس من كتابي آليس (في بلاد العجائب، وعبر المرآة)، يجعلك تلمح تلك الاقتطاعات غير المنصفة، فنص لويس كارول يمكن تقطيعه إلى قطع تناسب أي مكان مثل :
” هل تعرفين شيئًا عن اللغات؟ ماهو المقابل الفرنسي ل fiddle-de-dee؟ “
fiddle-de-dee ليست كلمة انجليزية؟ ” أجابت آليس بأسف.
” ومن قال أنها كذلك ؟” قالت الملكة الحمراء.
أو
” عليك أن تنطلقي في الحال ” قال الملك.
” لكني سأضل الطريق ” قالت آليس ” فأنا لا أعرف الطريق “.
” ذلك ليس عذرًا ” قال الملك.
أو
“هل خمنتِ حل اللغز بعد؟” قال صانع القبعات، موجهًا كلامه إلى آليس مرة أخرى.
” لا، لقد استسلمت” أجابت آليس” ما هو الحل إذًا؟”
حسنًا، أعترف أني اخترعت الاقتباس الثاني، وذلك لأوضح فقط كيف أن عملية  التقطيع كلها سلسة ومرنة، تأتي آليس في قوالب جاهزة من المقولات والحِكَم، تضمينات لطيفة صغيرة من العبث، تبدو كما لو كانت تومض في كل إتجاه، بعبارة أخرى، حكايات آليس نص كسول أمام الاقتباس، وهكذا فإنه يشير إلى مشكلة مع  قارئ عن القراءة، فهو ( آليس) كتاب مضيع للوقت ليكون مثالاً محتملًا، عند  فقرة من الكتاب يشرح مانگويل الكناية على أنها “الوسيلة التي يستخدم بها الشاعر أو يقدم شيئًا ليحل محل شيئ آخر (التاج ليدل على الملك مثلاً)”، لكن ليس الشعراء وحدهم الذين يستخدمون الكناية، وليست الكناية دائمًا مفيدة ومبينة، يستبدل مانگويل الملامح المحض للقراءة بمجمل الخبرة –يبسط بصورة زائدة واحدة من أكثر الأشياء تعقيدًا والتي نفعلها كل يوم– لكن شكي يتضمن أنه يفعل ذلك في اتجاهين حديين، ليجعل المسألة تتناسب تمامًا مع كتب رفوف مكتبته، وليجعل العملية أقل إخافة لآلاف من قرائه الذين يتخبطون في القراءة، الذين يفضلون رومانسية القراءة عن جدية العمل، أحد هذين الحدين طبيعيًا كما أفترض، لكن الحد الثاني خطير، فهو  يبين كيف يمكن لكتاب غرضه صناعة الألفة أن يكون صانع غربة.
مانگويل عاشق عمر للقراءة الجادة والعميقة –وبالفعل فإن مقاله الصغير “المكتبة بيتًا” يتحدث لأي شخص شعر أبدًا أنه ضيفًا على المكتبة المختنقة بالكتب في مسكنه– لذا يمكن له أن يتبرأ بسهولة من تهمة كونه قارئ مصطنع، لكنه في أقصى لحظات التسامح مع النفس يعامل القراءة بصورة مصطنعة، ويمكن لذلك أن يكون مثيرًا للغضب، ففي مقاله “أي أغنية غنتها السيرينات” (الحوريات التي غنت لتغوي بحارة أوديسيوس في الأوديسة) يخبرنا مانگويل أنه وفقًا لرواية سيوتونيوس (المؤرخ الروماني) “كان الإمبراطور تيبريوس، كلما ألتقي بأي من أساتذة الأدب الإغريقي، يستمتع بسؤاله ثلاثة أسئلة مستحيلة، كان ثالث تلك الأسئلة هو “أي أغنية غنتها السيرينات” – وعندها يبدأ مانگويل في التفلسف حول أغنية السيرينيات (حول طبيعتها النبوئية .. وهلم جرًا)، لكن تيبريوس سأل أسئلته ليسخر من مبادئ الانقسام على أتفه الأسباب (على شعرة) بين الدارسين، ومانگويل لا بد له أن يعرف ذلك … هو فقط لا يقدر على مقاومة الدخول في مباراة خطابية لبعض الوقت، خاصة لو كان ذلك سيسر قراءه الُمكنى عنهم.
الجزء المزعج من كل ذلك هو أن بعض من هؤلاء القراء –ربما، في هذه الأزمنة المضطربة، أغلب القراء– سيكونون مستريحين أكثر مع ما سماه درايدن ” الطريق الخيالي للكتابة ” أكثر من  أي شيء يقرأونه من كتابات ليونيل تريلينگ Lionel Trilling (الناقد الأدبي الأمريكي المتوفي عام 1975)، ولمانگويل ميل غير شجاع للعب مع هؤلاء القراء، الذين كثيرًا ما قالوا “آه، ديكنز” (وهي صيحة تعني يا للشيطان كذلك) لكنهم نادرًا ما يكونون قد قرأوا ديكنز  بالفعل.
ويتناقض مع ذلك المسلك الجمالي ما يذكره مانگويل في فقرة أخرى –وبموافقة تامة– من حكاية حدثت حين ألقى بورخس العجوز الأعمى محاضرة عن شكسبير في العاصمة واشنطن، حين لم يكن مكبر الصوت موضوعًا في مكانه الصحيح، وحين لم تكن أي من ملاحظاته مسموعة للحضور ما عدا الترديد المتكرر بين الحين والآخر لكلمة “شكسبير”، وحين أنهى بورخس محاضرته حياه الحضور بتصفيق عاصف – بالرغم من أن ذلك قد يكون حدث بدافع من الاحترام، وذلك افتراض جيد حتى الآن، لكن مانگويل يضيف هذا السطر الخطير تمامًا “ربما لم يكن هناك المزيد لقوله”، من غير المعقول أن يعتقد مانگويل حقًا أن ليس هناك فرق بين سماع ذلك الرمز الأدبي بورخس يتحدث عن شكسبير وبين الفشل في سماعه –لكن تلك الإلماحة مقصود بها إيقاظ أولئك القراء الذين يفضلون المقولات الجاهزة ،السهلة والغامضة، على تعب ودقة القراءة الحقيقية.
هذا الميل يسجل أيضًا في إشارة مانگويل إلى عمل ميشال فوكو تاريخ الجنسانية –على الأقل، كما آمل في ذلك-، يلخص مانگويل فوكو في مقاله “في نفس الوقت، في جزء آخر من الغابة” – وهو دراسة قصيرة عن تاريخ أدب المثلية الذكورية– عند هذه النقطة يعيد مانغويل ترديد، ودون أن تطرف عيناه، واحدًا من مسلمات الكتاب المركزية والخاطئة بشكل لا يصدق قائلاً:
” في المجتمع الأوروبي، لم تنتشر العداوة للمثليين سوى في منتصف القرن التاسع عشر .. فحتى القرن التاسع عشر لم يعتبر مثلي الجنس كشخص مميز، شخص له نفسية تختلف عن غيري الجنس، شخص لا يمكن أن يحاكم فقط بسبب فعل محدد مضاد للطبيعة ولكن يعاقب على مجرد وجوده”
لكن ذلك بالطبع يسجل نقطة مرحب بها في كتابة مانگويل نفسه، فهو لا يتجاهل –كما يفعل فوكو– الصرخات الجماعية لملايين من الضحايا الذين، في كل مجتمع مسجل تاريخيًا افتراضًا، أُخرست أفواهم أوأُنتزعت خصوصياتهم تحت مسمى غياب العداوة المزعومة، هناك نوع من القراء (وخاصة نوع من قراء الكتب المكتوبة عن القراءة) الذي يحبون الأشياء الموضوعة ببساطة و خالية من التحريف، وليسر هذا النوع من القراء يضع مانگويل –وهو نفسه قارئ مقرب سعيد وماهر في القراءة– أسئلة من قبيل “يمكن لدراسة سيرة حياة هرمان ملڨيل أن تلقي بظلال على عناصر المثلية الجنسية  في (موبي ديك)، لكن هل تعد دراسة كتلك ضرورية لاكتشاف مثل تلك العناصر؟” ومانگويل نفسه يعرف الإجابة جيدًا- الدراسة دائمًا ما تعمق الفهم – لكنه يعرف أيضًا أن ليس كل فرد يرغب في الدراسة.
ذلك كتاب علاجي تمامًا، فمقال مانگويل الكلاسيكي “حاسوب القديس آوغسطين” (تأمله العظيم الهادئ والممتع حول كل طرق الطباعة الورقية التقليدية والوسائل الالكترونية الحديثة لا حاجة لهما، في الواقع، أن تكونا طرفي عدواة لدودة) موجود هنا، وكذلك التأملات الرائعة حول فن الترجمة، وحال النقد الأدبي، وظهور وسائل القراءة الالكترونية الحديثة، كثير من المقالات الطويلة ممتعة بشكل لا نهائي ومفيدة كذلك، في عَوْدات متكررة يعود مانگويل إلى كتابه الأكثر قداسة – ليس فقط بورخس ولكن أيضًا مونتاين وسرفانتس – ويجعلنا نرغب في قراءة هؤلاء الكتاب مرة أخرى بأنفسنا، وهناك ملاحظات نحو تعريف القارئ المثالي (ذلك القارئ الذي سيكون بلا شك واسع الفهم، لكنه، بغرابة كافية، لن يكون مهتمًا بكتابات برت إيستون إليس(روائي وقاص أمريكي ساخر)) والمكتبة المثالية (ستحتوي على وعد بضم كل كتاب محتمل” ما عدا ، كما هو المفترض، أي كتاب لبرت إيستون إليس)
وعبر كل ذلك هناك صوت مانگويل نفسه، الهادئ دومًا، الودود دومًا، المشجع دومًا حتى لأولئك القراء الذين ليس لديهم أدنى فكرة كيف يحنو عليهم، ففي مقال عن دور المحرر، يُنظّر مانگويل كيف أن هؤلاء المحررين المساكين مثيري الحنق، يجب أن يكونوا “نوعًا من القراء الأفلاطونيين المثاليين- قراء بحرف قاف كبير” وسيصبح واضحًا مرة أخرى من خلال ملاحظات قارئ حول القراء اننا سنكافئ مانگويل نفسه بحرف القاف هذا حاليًا.
هناك أيضًا القليل في الكتاب مما يمكن قوله حول آليس في بلاد العجائب، لكني أحاول تجنب التفكير في هذا الأمر.


*تم تنسيق المقال باستخدام الخط الأميري الصادر حسب رخصة المشاع الإبداعي.
** في النص العربي تقوم الگاف الفارسية مقام حرف الـ G أو الجيم القاهرية.
[1]Steve Donoghue كاتب وقارئ يعيش في بوسطن، نُشرت كتاباته في The Columbia Journal of American StudiesHistorical Novel Review Online, The Lifted Brow.، كما يشغل منصب المحرر المسئول لـ  Open Letters Monthly.
نُشِرت في فضاء بابل, تقاويم العلماء, جوار بابل | الوسوم: , , , , , , , | تعليق واحد

صليب الخلاص مقالات جيمس بالدوين المنسية عرض لكتاب The cross of redemption

صليب الخلاص
مقالات جيمس بالدوين المنسية
عرض لكتاب The cross of redemption
James Baldwin

James Baldwin

(تمت الترجمة في ديسمبر (كانون الأول) 2010، ولم تُنشر من قبل)
ترجمة : ياسر عبد الله
في الثلاثين من نوفمبر (تشرين الثاني) تحل الذكرى الثالثة والعشرين لوفاة الكاتب الأمريكي الأسود جيمس بالدوين، المولود في الثاني من أغسطس (آب) عام 1924، والمتوفي عام 1987 بعد صراع مع سرطان المريء، والذي تعد كتاباته التي تنوعت بين الرواية والقصة القصيرة والشعر والمسرح مثار جدل كبير داخل الأوساط الأدبية الأمريكية وخارجها، نظرًا لتميز كتابته في تناوله الجريء لمواضيع جنسية وعرقية لم يطرقها أي كاتب أسود قبله.
تم نشر المقالات والخطب والكتابات التي لم تجمع من قبل في أعماله المُجَمعة، في كتاب حمل عنوان THE CROSS OF REDEMPTION: UNCOLLECTED WRITINGS وقد أثار هذا الكتاب،جدلًا داخل أوساط الأدب الأمريكي، وفيما يلي ترجمة مختصرة للعرض الذي قام به إد بافليتش للكتاب.
بتحرير  وتقديم الروائي الأمريكي راندال كينان، نُشر مؤخرًا كتاب (صليب الخلاص)، الذي يرتب ويجمع بين ضفتيه ما يقرب من ستين نصًا لم يتم جمعهم من قبل في صورة كتاب، ما بين مقالات، خطب، عروض كتب، وكتابات عن أشخاص كتبها جيمس بالدوين، وهو واحد من أكثر كتاب القرن العشرين السود إنتاجًا وإنغماسًا في النشاط السياسي، بالنسبة لهؤلاء القراء غير المعتادين على كتابات بالدوين، سينقل هذا الكتاب المعضلة الأساسية لمجمل كتابة بالدوين : شقاقه الناشئ عن تعامله مع المعجم اللغوي المستخدم من قبل الأمريكيين لعرض تصورهم عن العالم، وبالنسبة لهؤلاء المعتادين على كتاباته، وبخاصة مقالاته، يشكل (صليب الخلاص) نوعًا ما من تسجيلات الإستوديو، نسمع من خلالها الأغاني التي طالما اعتدنا عليها بصورة مختلفة لم نسمعها بها من قبل.
The cross of redemption

The cross of redemption

تذكرنا قراءة هذا الكتاب، في الواقع، أكثر من أي شيء آخر، بالاستماع إلى التسجيلات البديلة لألبوم ميلز ديفز Kind of Blue الذي قامت بإصداره، قبل سنوات، شركة كولومبيا للتسجيلات، أو بالاستماع إلى ألبوم These Songs for You, Live!، الذي يحوي توزيعات جديدة لكلاسيكيات دوني هاثاواي، ويكمن الجمال الخاص لهذا الكتاب المكون من إعادة إصدارات لمقالات سابقة، في إرجاع صدى أسلوب بالدوين في كتابة الحقائق عن طريق الملاحظات، من تكوين المعنى عبر تكرارات، لو أعرناها إنتباهًا، تسحب كلمات من سياقها لتعيد جمعها مرة أخرى في سياق آخر، إذًا، ما هي النغمة الأساسية التي يُعاد انتاجها في كتاب (صليب الخلاص)؟
يؤكد جيمس بالدوين على ضرورة تغيير مواضعات اللغة التي نتكلمها ونستخدمها في حياتنا، ففي مقاله “عن اللغة والعرق والكاتب الأسود” يكتب قائلًا :” كل كاتب مرغم، في لحظة ما، على إدراك إنه متورط في لغة عليه تغييرها، وبالنسبة للكاتب الأسود الذي قُدر له الميلاد في هذا البلد (الولايات المتحدة)، والوجود داخل اللغة الانجليزية، عليه إدراك أن الفرضيات التي تعمل بواسطتها اللغة هي عدو له”، لكن، ودون أي تسرع، يدرك بالدوين كذلك أن المرء لا يمكنه إبعاد “عدوه” عن طريق إعفائه من المسئولية، فهو المولود في غيتو هارلم المخصص للسود، “القعر” ( كما يسميه تمييزًا عن شوجر هيل أو أي من أحياء هارلم الأخرى المخصصة للطبقة الوسطى)، كان قد أبعد نفسه بالفعل، لذا يكتب في مقاله عن ” معاداة السامية وقوة السود” قائلًا :” ما أود أن نفعله هو … أن نقوم بابتكار أنفسنا دون الحاجة إلى ابتكار عدو” وهو يُتبع ذلك بما قاله، في النقاشات الدائرة حول استخدام الإنجليزية المعتمدة مقابل استخدام إنجليزية السود التي دارت في أواخر السبعينات، حين لخص بالدوين أفكاره قائلًا :”يجب تعلم كل الأشياء ولكن لاستخدامها حسب هدفك أنت”، فماذا كانت أهداف بالدوين نفسه؟
أول أهدافه وأهمها كانت رغبته في إرغام اللغة الإنجليزية التي نستخدمها على “الاعتراف” بمصدرها، وكثيرًا ما قام هو بفعل ذلك عن طريق المزج بين البساطة الشديدة والتعقيدات المجردة، ففي خطاب ألقاه عام 1964، حمل عنوان ” المشكلة البيضاء”، قال  :” في هذه البلد، ولمدة طويلة بشكل خطير، كان هناك مستويان من الخبرة بالعالم، الأول يمكن تلخيصه في صورتين، دوريس داي (الممثلة الأمريكية الشقراء) وجاري كوبر (الممثل الأمريكي الشهير)، والمستوى الآخر، السري، الذي لا غنى عنه، والمُنكر، يمكن تلخيصه، لنقل، في وجه وصوت راي تشارلز (الممثل الأمريكي الأسود)، بعبارة أخرى، هناك مستويان من التجربة، أحدهما أبيض والآخر أسود، أحدهما بسيط والآخر قاسٍ” وفي مقاله الشهير المكتوب عام 1964، والمتاح في هذا الكتاب”استخدامات موسيقى البلوز”  باعتبارها صيغة لاحقةً من الخبرة السوداء، كتب بالدوين :”لا أتكلم عن العرق حين أقول (زنجي)، إنها تعد إقصاءً فأنا لا أتكلم بواسطتها عن قوم بل عن فرد وحيد”، وبالنسبة للمستوى الآخر من الخبرة بالعالم كتب يقول :”ليس هناك فرد أبيض في هذا البلد يمكنه إثبات أنه أبيض”، وعندما أعاد بالدوين قوله هذا لمستمعيه في حقبة السبعينات والثمانينات ضحكوا ساخرين، عارفين ما الذي يسمعونه، لكنه كان يعني تمامًا ما الذي يقوله، لاحقًا، سيدمج بالدوين بذكاء، المعنيين في ثنائية متصادمة.
تبدو طريقة بالدوين الممتعة في ابتكار معانٍ جديدة لكلمات متعارف عليها عبر تكرارات عنيفة وحادة الذكاء واضحة أيُما وضوح في كتاب (صليب الخلاص)، عنها في أي كتاب آخر تم نشره باسمه من قبل، كلما وردت التكرارات، تزداد حدة فهم القارئ للمعنى المقصود من قبل جيمس بالدوين، بنهاية الكتاب، على سبيل المثال، يتضح للقارئ قائمة بالدوين الجديدة للمصطلحات الأمريكية، حيث كلمة “أبيض” تشير إلى “حالة ذهنية ما” مقتنعة بأن الحياة يمكنها أن تكون سعيدة، جميلة، آمنة، بينما تشير كلمة “أسود” إلى “مستوى من الخبرة بالعالم ينكره الأمريكيون”، بعنف وحدة ذكاء، يكشف كتاب ( صليب الخلاص) القناع ويعرض بدائل للغة المستخدمة، حيث تعني كلمة “أبيض” (كما تم تعريفها) النجاح والتميز، بينما تعني “أسود” المتاعب، بالنسبة لبالدوين، فإن استخدام كل من الكلمتين بهاتين الطريقتين يساهم في الجهد الوطني الأمريكي لابتكار “وسائل تفادي حقائق الحياة”، ويدرك بالدوين أن لغة كهذه هي عدو أي شخص طالما إنها، ما لم يتم فهمها، تقف أمام “أي مواجهة أصيلة بين هذين المستويين من الخبرة بالعالم”، التي تصارع، أخيرًا، وذلك أصبح أكيدًا في الوقت الحالي، حياة كل فرد.
يعرض كتاب (صليب الخلاص) عشرات من تلك المواجهات الثنائية بين المصطلحات المختلفة، حيث يثير بالدوين، بحدة وذكاء، معانٍ جديدة عبر نقل الافتراضات الكامنة وراء المصطلحات التي نألفها ونستخدمها بصورة اعتيادية، في مثال دال تمامًا على هذا النهج، يستقرء بالدوين ما الذي يعنيه كَوْنَك “غير قادر على الحديث” بالنسبة للسود الغربيين، عبر رسم خط لتطور هذا المصلح، عبر غرب الأطلنطي، منطلقًا من قلعة تجميع العبيد على جزيرة غوري السنغالية، ناظرًا عبر نافذة القلعة في عام 1962، تمامًا كما فعل من قبله آلاف العبيد المأسورين، الذين كانوا على وشك أن يصبحوا أفريقيين مُصدرين للقارة الجديدة عبر القرون العديدة، يقول بالدوين أنه حاول وفشل في رؤية الموجود على الجانب الآخر، “حاولت أن أتخيل ما الذي يعنيه الإحساس بكونك مُسلسلًا وفاقد القدرة على الحديث، غير قادر على الحديث بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ، في طريقك إلى أين؟”، إعادة التعريفات تلك تنتج معانٍ ذات صدى مختلف، للمصطلحات التي نرى عبرها العالم، والتي يرانا عبرها العالم كذلك، إن كتاب (صليب الخلاص) يظهر كيف كان بالدوين يستخدم اللغة كنوعٍ من الموسيقى، المعزوفة بفن ووعي، التي يمكنها، كما كتب جيمس بالدوين في مقاله ” ثقافة الجماهير والفنان المبدع”، ” أن تحررنا من خرافاتنا وتمنحنا تاريخنا، وهو ما سيدمر سلوكياتنا الُمنمطة ويعيد لنا شخصياتنا”، وفي مقاله “عن أغاني الحزن: صليب الخلاص” يكتب قائلًا :” الموسيقى هي شاهدنا، وهي حليفنا، “إيقاع الطبول” هو الاعتراف الذي ندرك به ونغير ونحتل مكاننا في الزمن، ومن ثم يصبح التاريخ لباسًا لنا يمكننا ارتداءه والمشاركة فيه، بدلًا من أن يكون رداءً تنكريًا نختبئ بداخله، ويصبح الزمن صديقًا لنا”
نُشِرت في جوار بابل | الوسوم: , , , , , , | 2 تعليقان